أبو ريحان البيروني

57

القانون المسعودي

( 56 - 254 بأن المسلمين مدينون للهنادكة أولا - لا لليونان - بكثير مما وصلهم من ألوان الثقافة الجديدة في فجر حياتهم . ويؤيد رأيه هذا أن أول كتب في الفلك والرياضيات والطب حملت إلى بلاد الخلافة في بغداد وذلك أيام المنصور العباسي ، كانت هندية . ثم جاء البرامكة . وكان آباؤهم سدنة بوذيين في الغالب ، فعنوا بأمر الهند في دولة العرب ، وأحضروا علماء طبها وحكمائها ، على حد قول صاحب الفهرست ، ورعوا حركة ضخمة لنقل تراث الهند إلى العربية ، لتبلغ الدراسات الهندسية من بعد ذلك إلى أكمل وأوفى صورها عند أبي الريحان البيروني أعظم علماء عصره بلا شبهة ، بعد أن جاب الهند سنين طويلة وحذق لغتها ، وخالط أهلها ، واستمع إلى بيان معارفهم من أفواه علمائهم ، وغاص في بطون متونهم ، ليخرج على الناس من بعد ذلك بأول وأوفى ما كتب عنهم ، بلسان عربي مبين ، وليكون كتابه هذا ، موضوع مقالنا ، هو فيما بعد الوسيلة إلى اطلاع العالم كله على هذا التراث الإنساني الزخار . ويلف الغموض سني حياة هذا العالم الأولى فلا نعرف شيئا يذكر عن أسرته أو عن صباه وما تلقاه في أول عهده بالتعليم . وكل ما تسعفنا المراجع به أنه ولد في ذي الحجة من عام 362 ه ( سبتمبر 973 م ) بظاهر مدينة خوارزم ( بيرون ، فارسي - ظاهر خارج ، عربي ) بإقليم خوارزم وهو خيوه الحالية . وقد أخطأ بعض من كتبوا عنه ، مثل ابن أبي أصيبعة والشهرزوري ، فنسبوه إلى بيرون ( بارن القديمة ) بالسند . ويستبين كذلك من رسالته ، الفهرست ، في بيان مقالاته وكتبه ، أنه اتصل بثلاثة من أشهر علماء عصرهم كتبوا له باسمه جملة مقالات في العلوم الطبيعية والرياضية والفلك فأناروا له بذلك طريق البحث ومهدوا له سبيل الصنعة ، وهم : أبو نصر منصور علي بن عراق وأبو سهل عيسى بن يحيى المسيحي وأبو علي الحسن بن علي الجبلي . والمعروف أن البيروني رحل عن موطنه إلى الري وهو في العشرين من عمره ، ومنها قصد إلى جرجان حيث التقى بأستاذه الطبيب المنجم أبي سهل المسيحي . وفي رعاية أمير جرجان الزياري قابوس بن وشمكير بدأ البيروني التأليف ، وكتب باسم هذا الأمير كثيرا من المقالات والكتب . وفي مدة حكم هذا الأمير الثانية بعد عودته إلى بلاده ( 388 - 403 ه ) كتب البيروني باسمه كتابه الكبير ، " الآثار الباقية عن القرون الخالية " وفيه يتناول تواريخ كافة الأمم والشعوب وحساب السنين عندهم مع ذكر أعيادهم ، وقد نشره المستشرق إدوارد ساخاو في